العقل..
ذلك الوعاء العجيب! آلة الحفظ والاستنباط..
وأحسب -والله اعلم- أن حده وقدراته لا تزال غير محصورة على سبيل اليقين، ولكن تقديرات ونظريات تسدد وتقارب.
المنهج العقلي..
وإذا شئت فسمه المنهج العلمي أيضا.
فذو العِلم العاقِل يُدرك ماهية ذلك المنهج، الذي به تُستنبط العلوم وبه يوصل الى الحقائق..
ولكن اعلم يا صاح..
إن العلم نور وقد يُعمي ناظره!
إذا نظر فيه بغير علم..
وإن العلم بحر وقد يُغرق راكبه!
إذا ركب فيه بغير علم..
أليس الناظر الى نور الشمس مباشرة بغير آداه مناسبة قد يُعمي بصره !؟
أليس الراكب عباب البحار بغير آداه مناسبة قد يُغرق نفسه !؟
فكذلك العلم.
فإذا أردنا الحديث عن العلم، بل قل عن العقل في مَعرِض الايمان..
فلننظر الى سيرة أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- في زمن غابر حين اندثر أصل العلم -العلم بالله والايمان به- بل قل حين أوشك أن يندثر أصل العقل نفسه؛ حين نحت الناس آلهة من الحجارة ثم عبدوها!
انظر معي يا صاح في أحداث تلك الرحلة البحثية العقلية المنطقية، التي جمعت في ثناياها بين مناهج التفكير المتنوعة وبين ما نسميه البحث العلمي في تاريخنا المعاصر.
The Cattle (6:74) - الأنعام
۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٧٤ وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ٧٥ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ ٧٦ فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧ فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ٧٨ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٧٩
https://quran.com/6/74
تعجب نبي الله إبراهيم من سوء عقل قومه! كيف يعبدون من دون الله حجاره صُنعت بأيدي بشر..
ثم انطلق مصطحبا البشرية أجمع في رحله عقلية للبحث عن الإله الحق، مستعينا بما هو متاح لكل انسان من أدوات؛ العقل والمنطق والنظر والتأمل في ذلك الكون الفسيح..
فاستبعد أولا ان تكون تلك الاصنام آلهة، فالصانع لا يُصنع والإله الخالق لا يُخلق.. ويمكننا الجزم بأن تلك قاعدة منطقية؛ لا تَنْتَطِحُ فيها عَنْزان!
ثم نظر الى السماء فرأى أجراما عجيبة! كواكبا ونجوما لا تحصى في مشهد مهيب يٌذهل الأذهان وتتجلى فيه ضآلة ومحدودية الإنسان مقارنة بأقطار الكون الواسع.
ورأى سيدنا إبراهيم في تلك الأجرام كوكبا شديد اللمعان -ربما هو كوكب الزهرة في طور من أطواره- يتلألأ في سكون، فلعله قال لنفسه ولقومه ربما هذا هو رب الكون! فإنه مميز حقا عما حوله..
ولكن لما بزغ القمر واكتمل طوره، أظلم كل شيء حوله ولم يعد لذلك الكوكب المتلألئ أي بريق يجذب الناظر في وجود ذلك القمر الساطع..
ولكن بالطبع بعد ذلك ظهر ما هو أكبر وأشد إضاءة من ذلك كله..
نعم، لقد أشرقت الشمس فأضاءت الأرض مد البصر، ولكن بالطبع لم تلبث أن غربت هى الأخرى؛ فساد الظلام من جديد وتعاقب الليل والنهار مع تعاقب الشمس والقمر ومنازل وأطوار تلك الكواكب والأجرام..
فلم يكن شيء من ذلك كله دائم الحضور والظهور ابداََ ولكن يظهر حينا ويغيب حينا وتلك صفة لا تليق بالآلهة بالتأكيد، فكذلك استبعد سيدنا ابراهيم -عليه الصلاة والسلام- أن تكون أي من تلك الأجرام آلهة..
فالإله الحق لا ينبغي له أن يغيب أبدا ولا أن يتغير او تعدد صوره..
وهنا جاءت النتيجة العقلية والمنطقية الوحيدة؛
إن الإله الواحد الحق هو ذلك الذي خلق كل تلك الأجرام في السماء وكل هذه المخلوقات في الأرض بما فيها الانسان..
ولابد ان يكون ذلك الإله الحق مُشرف ومُطلع على كل شيء من مكانه الذي هو أعلى من كل شيء بالضرورة.
ولابد كذلك ان يكون ذلك الاله الحق محيط بكل شيء فلا يخرج عن علمه ولا عن قدرته أي شيء في هذا الكون -الواسع- بالضرورة.
ثم لابد أيضا لذلك الاله الحق أن يكون حياََ لا يموت أبدا وحاضرا لا يغيب أبدا..
وحتما كذلك لابد له أن يسمع ويرى ويُدبر ويُصرف أمور هذا الكون -الواسع- وما فيه من مخلوقات..
إذاََ، فإن هذا الاله رب هذا الكون لابد أنه متفرد في ذاته وصفاته ولا يشبهه أي شيء من مخلوقاته.. (ليس كمثله شيء) -وقد تكلمت عن أبرز صفات الاله -صفتي الألوهية والربوبية- في مقام اخر يمكن الرجوع اليه من هنا: أن تكون بلا رب..أن تكون بلا مأوى
وقد أدرك سيدنا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- كل ذلك حتما، فتوجه بدعائه الى الله -ذلك الإله الواحد- فوجه اليه وجهه سائلا إياه ان يهديه اليه، فاستجاب له الله -عز وجل- ورفع منزلته وهداه الى الفطرة السليمة والدين القيم الحنيف ثم جعل بعد ذلك أعظم الرسل والأنبياء من نسله وذريته -عليهم الصلاة والسلام جميعا- وخلد ذكره في الأولين والأخرين.. والحمد لله رب العالمين.
فما أعظم ثواب الله وما أكرمه وأرحمه حين يسأله الانسان الهداية بصدق ويرجو منه ان يرشده الى الايمان به عبر بوابة العقل السليم والدين القويم..